نلسون مانديلا ورحلته الطويلة نحو الحرية
نلسون مانديلا ورحلته الطويلة نحو الحرية
جلست على قارعة عقلي وأنا ألهث، كان جبيني يتصفّد دهشة.. تساءلت: كيف لكتاب أن يصيب مركز الحيرة بهذه الطريقة؟ كيف له أن يشدّني من خصلة ذهني ويجرني لما يقارب الستمئة صفحة وأنا لا أقوى على إطباق فمي من الدهشة!
في رحلتي الأبدية بعالم الكتب، وجدت أن الكتب الجيدة هي التي تشد يدك، تسير بك، تفك الخصام المشتعل في قضاياك، تَبُتُّ في أحاسيسك.. فغالبا ما يلتقطني من توهتي الفكرية كتاب، ليُبصّرني بمعالم الطريق نحو الحقيقة..
هذه المرة كانت الصدفة الجميلة قد ألقت بين يدي كتاب (رحلتي الطويلة إلى الحرية) لنلسون مانديلا، الكتاب بحجمه الكبير، وكثافة طرحه، وزخم تفاصيله قد نجح بالفعل في الإجابة عن الكثير من الأسئلة التي قرعت برأسي طويلا: إلى أي حد يجب أن يذهب الواحد منا كما مع قناعاته؟ ولماذا ينجح البعض في معاركهم الخاصة، ويفشل البعض الآخر؟ وإلى أي حد يجب الواحد أن يخسر ليكسب في معترك قيمه؟ وماهي المتطلبات النفسية الأساسية التي يجب توفرها في القائد حتى يدفع بعجلة الكفاح إلى الأمام؟ ثم.. إلى أي درجة يستطيع الإنسان أن يتكيف مع ظروف قاسية قياسا بحاجاته البيولوجية والنفسية؟ وهل رموز القضايا الكبيرة ولدوا باستعدادت مسبقة لمسيرة الكفاح في حياتهم؟ وما الذي تتطلبه هذه القضايا من موارد بشرية ومادية لتصل إلى مستقرها الأخير؟
الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للمكافح الثوري الجنوب إفريقي: نلسون مانديلا، يسطر فيه رحلة كفاحه ضد التمييز العنصري الذي طال أصحاب البشرة السوداء من بني جلدته، من طرف نظرائهم البيض، ويستهله من بدايات وعي الطفل (ماديبا) كما سمي أول ازدياده بالحقوق المنزوعة منه كمواطن إفريقي ذنبه الوحيد لون بشرته، وينتهي بتحقق حلم ذلك الطفل وهو يسير متئد الخطى في الثمانين من عمره ليدلي بصوته في أول إنتخابات برلمانية تشريعية تعطي للسود الحق في الإقتراع.
في رحلتي الأبدية بعالم الكتب، وجدت أن الكتب الجيدة هي التي تشد يدك، تسير بك، تفك الخصام المشتعل في قضاياك، تَبُتُّ في أحاسيسك.. فغالبا ما يلتقطني من توهتي الفكرية كتاب، ليُبصّرني بمعالم الطريق نحو الحقيقة..
هذه المرة كانت الصدفة الجميلة قد ألقت بين يدي كتاب (رحلتي الطويلة إلى الحرية) لنلسون مانديلا، الكتاب بحجمه الكبير، وكثافة طرحه، وزخم تفاصيله قد نجح بالفعل في الإجابة عن الكثير من الأسئلة التي قرعت برأسي طويلا: إلى أي حد يجب أن يذهب الواحد منا كما مع قناعاته؟ ولماذا ينجح البعض في معاركهم الخاصة، ويفشل البعض الآخر؟ وإلى أي حد يجب الواحد أن يخسر ليكسب في معترك قيمه؟ وماهي المتطلبات النفسية الأساسية التي يجب توفرها في القائد حتى يدفع بعجلة الكفاح إلى الأمام؟ ثم.. إلى أي درجة يستطيع الإنسان أن يتكيف مع ظروف قاسية قياسا بحاجاته البيولوجية والنفسية؟ وهل رموز القضايا الكبيرة ولدوا باستعدادت مسبقة لمسيرة الكفاح في حياتهم؟ وما الذي تتطلبه هذه القضايا من موارد بشرية ومادية لتصل إلى مستقرها الأخير؟
الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للمكافح الثوري الجنوب إفريقي: نلسون مانديلا، يسطر فيه رحلة كفاحه ضد التمييز العنصري الذي طال أصحاب البشرة السوداء من بني جلدته، من طرف نظرائهم البيض، ويستهله من بدايات وعي الطفل (ماديبا) كما سمي أول ازدياده بالحقوق المنزوعة منه كمواطن إفريقي ذنبه الوحيد لون بشرته، وينتهي بتحقق حلم ذلك الطفل وهو يسير متئد الخطى في الثمانين من عمره ليدلي بصوته في أول إنتخابات برلمانية تشريعية تعطي للسود الحق في الإقتراع.

قبل الإجابة عن الأسئلة أعلاه أحب رفع اللبس عن بعض الأفكار المسبقة المغلوطة التي وقعت فيها شخصيا قبل قراءة الكتاب، والتي قد يقع فيها الكثيرون:
– كنت كلما سمعت أن دولة جنوب إفريقيا دولة متطورة، أعلل ببداهة أنها ترزخ تحت حكم البيض، لكن الحقيقة أن حكم البيض توقف منذ سنة 1994.
– كنت أعتقد أيضا أن نلسون مانديلا رجل سلام إتبع الطرق السلمية في مناهضة التمييز مثل ماهامتا غاندي باعتباره حائز على جائزة نوبل للسلام عام 1993، لكنني فوجئت بكونه المؤسس الأول، والرئيس التنفيذي لحركة (رمح الأمة) المدعوة بالأمكا، والتي تبنت أول نشاط مسلح ضد حكومة البيض.
حرب القناعات:
حرب التجاذب الطاحنة بين المعتقد والمصلحة لا تنتهي، بين غريزة حماية الجسد من كل خطر إفناء قد يقع عليه من قريب أو بعيد، وبين غذاء الروح من أفكار وقيم ترفض إلا أن تخوض بهذا الجسد في معارك غير مأمونة العواقب.. ويتمخض عن هذه الحرب صنفان من الناس: صنف يغلو في ركوب الجسد فيلفظ الإيديولوجيا من بابها الواسع، ويفني عمره كله في حراسة مصلحته والإتيان بأسباب قوامه ومعيشته من كل الأوجه، حتى إذا مات، مات فيه الجسد والإسم معا وهذا ديدن عامة الناس الذين يأتون إلى الحياة ويخرجون منها دون أن يُرَى لأحدهم موطأ نعل ذا بال، وصنف على النقيض من ذلك يحيا لحياة الروح وما يعيش فيها من قيم وأفكار، ويسخر لها مطية الجسد دون أن يبالي، أأصابت بنات أفكاره مرماها، أم لم تسعفها حياة الجسد فهلكت دونها وهي على قيد الكفاح، وينطوي تحت هذا الصنف الأنبياء والعلماء والرجال التاريخيون والفنانون، و(مانديلا) دون زيغ رجل الصنف الثاني بامتياز، والذي عاش منذ بدايات وعيه مناصرا للقيمة التي تسكنه، شادا على قبضة قناعته ما كان يوحي جليا بمشروع ثائر، إذ انبرى عن ذلك انسياقه مع تيار السياسة بعيدا عن مهنة المحاماة التي كانت سقف مشاريعه.
حرب التجاذب الطاحنة بين المعتقد والمصلحة لا تنتهي، بين غريزة حماية الجسد من كل خطر إفناء قد يقع عليه من قريب أو بعيد، وبين غذاء الروح من أفكار وقيم ترفض إلا أن تخوض بهذا الجسد في معارك غير مأمونة العواقب.. ويتمخض عن هذه الحرب صنفان من الناس: صنف يغلو في ركوب الجسد فيلفظ الإيديولوجيا من بابها الواسع، ويفني عمره كله في حراسة مصلحته والإتيان بأسباب قوامه ومعيشته من كل الأوجه، حتى إذا مات، مات فيه الجسد والإسم معا وهذا ديدن عامة الناس الذين يأتون إلى الحياة ويخرجون منها دون أن يُرَى لأحدهم موطأ نعل ذا بال، وصنف على النقيض من ذلك يحيا لحياة الروح وما يعيش فيها من قيم وأفكار، ويسخر لها مطية الجسد دون أن يبالي، أأصابت بنات أفكاره مرماها، أم لم تسعفها حياة الجسد فهلكت دونها وهي على قيد الكفاح، وينطوي تحت هذا الصنف الأنبياء والعلماء والرجال التاريخيون والفنانون، و(مانديلا) دون زيغ رجل الصنف الثاني بامتياز، والذي عاش منذ بدايات وعيه مناصرا للقيمة التي تسكنه، شادا على قبضة قناعته ما كان يوحي جليا بمشروع ثائر، إذ انبرى عن ذلك انسياقه مع تيار السياسة بعيدا عن مهنة المحاماة التي كانت سقف مشاريعه.
ومن المواقف التي حسمت بشكل كبير ومبكر إتجاه بوصلته في الحرب أعلاه، هو قرار استقالته من عضوية المجلس الطلابي بجامعة (فورت هير) والتي كان يستعد للتخرج منها بشهادة ليسانس، وذلك لحصول تلاعب في التصويت، هذا القرار نتج عنه فقدانه لسنته الأخيرة في الجامعة، كما أثار أيضا سخط متبناه – بعد وفاة والده -: سلطان التيمو 2 ، والذي كان متكفلا بمصاريف تعليمه، وكان ذلك يعني تقريبا إنهاء للمستقبل الجميل الذي كان يشيد أساسه، وخسارة فادحة بالنسبة للفتى الطموح الذي جاء من قريته الصغيرة معلقا أحلامه كلها على مشجب الشهادة الجامعية، والتي كان يرى فيها آنذاك مفتاح للتفوق المالي وقيادة المجتمع، وطريقه للانضمام لنخبة الإفريقيين، ومن جانب آخر وسيلته لتحسين المستوى المعيشي لوالدته وأختيه.
الجميل في الموقف، أن مانديلا ذو العشرين ربيعا آنذاك، كان قد أصابه في موقفه ذاك ما يصيب أي شاب مثله من حيرة وخوف وضياع من وزن القرار الذي اتخذه، ومدى صوابه من عدمه، لكنه فقط في لحظة الحسم قرر أن يتبع الصوت الذي بداخله، والذي كان منارة للمسار البطولي الذي خاضه حتى أخريات حياته.
والموقف الآخر الذي كان الباب الواسع لخروج مانديلا، والفرار بعقله من التيمو، وما كان لبقائه هناك من ربط ذهنه في بوتقة القبيلة، هو فراره من بيت السلطان حينما بدا لهذا الأخير تزويجه – على مزاجه – يقول مانديلا أن: ‘نضوجي الاجتماعي في تلك الفترة أفضل نضوجي السياسي … فلم أكن لأقبل أن يختار شريكة حياتي أي إنسان آخر ولو كان السلطان نفسه’.
وهذه الفكرة بالذات توافق بشدة اعتقادي حول تشكل ملامح القضية داخل أي إنسان، فمعاركه الصغيرة تلك ما كانت إلا ملمحا للحرب الطويلة التي أوقد لها سنين حياته، فكانت بدايات الرفض داخل مانديلا، هي الشتلة التي صنعت القائد الذي أفنى روح شبابه لمناهضة نظام التمييز القائم في وطنه.
معادلة الخسارة:
هناك أسطورة ألمانية تقول أن ‘باب العبقرية ضيق يجب أن يترك الإنسان عنده جزءا من عقله أو قلبه أو جسمه’، وهذه العبارة هي من الصحة ما يمكن اعتبارها شرطا أساسيا للنزال في معركة القيم. ويمكننا إيجاد من الشواهد في حياة مانديلا ما لا حصر له ليؤكد على كم الخسارات التي تكبّدها في حياته في سبيل قضيته، نذكر منها:
- 27 سنة من حياته قضاها في السجن، منها 18 سنة في جزيرة روبن آيلاند تخللتها أعمال شاقة.
- إبتعاده عن زوجته وأطفاله طيلة تلك المدة، حيث أنه لم ير ابنته الكبرى ‘ زيندزي’ مذ كان عمرها ثلاث سنوات، إلى حين زيارتها له في الجزيرة وقد أصبح عمرها خمسة عشر عاما.
- تعرض أسرته للمضايقات في غيابه، وتعرض بيته للحرق.
- رفع دعوى قضائية ضده أكثر من مرة لوقف نشاطه كمحامي، وهي المهنة التي بالإضافة إلى كونها مصدر اقتياته كانت أيضا وقود نشاطه السياسي.
- عدم قدرته على رعاية أمه العجوز، حيث كان يشعر بالذنب حيال ذلك حيث كان يتساءل دائما: ‘عما إذا كان المرء محقا في التقصير نحو أهله وأفراد عائلته للنضال من أجل رعاية الآخرين؟ هل في الدنيا أفضل وأهم من أن يتولى الإنسان رعاية أمه العجوز؟’.
- وفاة إبنه الأكبر في حادث مرور، ثم وفاة أمه وعدم حصوله على تصريح لحضور مراسم دفنهما.
ورغم هذه الإحباطات والإرهاصات التي تعرض لها بغية إجهاض روحه القتالية، لكنه – ويا للعجب- استغلها في دعم مسيرته، حيث عمل على تسييس عائلته وخاصة زوجته الثانية (ويني) والتي كانت داعما حقيقا له، إذ قادت حملة خارج السجن لإطلاق سراحه، كما تعرضت هي الأخرى للسجن بسبب نشاط زوجها.
كما استغل مانديلا إقامته الطويلة في سجون جزيرة روبن لإلقاء الدروس والمحاضرات، والاحتجاج على ظروف السجن حيث كان يرى ذلك امتدادا لمسيرته النضالية، حيث قال: ‘لم تكن المعارك التي خضناها داخل السجن من أجل النظارات الشمسية والسراويل الطويلة والقراءة والتساوي في الطعام وغيرها، سوى روافد لمعركتنا الكبرى خارج السجن. فالحملة من أجل تحسين أوضاع السجن هي جزء من الكفاح ضد التفرقة العنصرية. إنها معركة واحدة ضد الظلم حيثما وجد ومهما كان حجمه، كنا نخوضها من أجل حماية إنسانيتنا’.
روح القائد
من منا لم يمر بحالة من الحماس والشغف لقضية ما، ثم شعر مع الوقت بانطفاء ذلك الحماس، وأصبحت تلك القضية قطعة سحيقة في الذاكرة، أنا لطالما تساءلت كيف قلّم أصحاب القضايا الكبرى جذور هذه الظاهرة في دواخلهم، لأنها بحق أكثر ما يردي أي مشروع قتيلا في مهده.
ووجدت الإجابة في شخص مانديلا، وروح القائد إياه والتي توقدت كشمعة لم تفعل فيها السنون والرياح فعلتها، إذ استطاع إيصال قضيته إلى مستقرها الأخير بفضل تمتعه ببعض الخصائص النفسية المهمة، نذكر منها:
- الإيمان العميق بعدالة قضيته، حيث قاوم كل محاولات تكميمه لأجل التخلي عنها، فكلما سلب من جرابه سلاحه وجد سلاحا آخر، حيث لجأ إلى العمل السري، بعد حظر نشاطه في حزب المؤتر الإفريقي، ثم عرج إلى العمل المسلح بعدما رأى محدودية النشاط السلمي، بل لم يحد حتى السجن من حماسه وولائه على القضية، حيث عمل على التواصل مع رجالات الحزب داخل السجن وخارجه لإعداد الخطط، وتقييم الأوضاع السياسية للبلاد.
- التفاؤل العميق حول مصير القضية، وقدرته الذهنية الهائلة على التمتع باليقين الخالص حول مستقبلها، حيث قال: ‘إنني في قرارة نفسي إنسان متفائل، وإن كنت لا أدري إن كان ذلك طبيعتي أم في طبعي ، ومن علامات التفاؤل أن يحافظ المرء على رأسه مرفوعا نحو السماء، وأن تكون خطاه متجهة إلى الأمام. لقد مرت بي لحظات عديدة اهتزت خلالها ثقتي في الإنسانية لكني لم ولن أستسلم لليأس، فذلك هو السبيل إلى الإخفاق والموت المحقق’.
- وأيضا تميّز يتحييده لمشاعره، والتركيز على نصر القضية بدل الانتقام من خصومه، وهذه بالذات جزئية نفسية ليست أبدا بالسهلة، إذ كان على المرء تجاوز ذاته، والخفض من مستوى حساسيتها للأذية الشخصية، فلم يكن أبدا يتردد بوضع يده في يد مخالفيه في سبيل نصر قضيته.
يقول مانديلا: ‘لقد آمنت دائما بأن النضال من أجل الحرية يفرض على الإنسان أن يكبت مشاعره الشخصية التي تميزه عن الآخرين وتحول دون أن يصبح جزءا من حركة جماهيرية فالمناضل يكافح من أجل الملايين وليس من أجل فرد واحد، وهذا لا يعني أن يصبح الإنسان آلة أو أن يتخلى عن جميع أحاسيسه ودوافعه الشخصية، ولكنه يعني أن على المناضل أن يخضع مشاعره الخاصة لمشاعر الحركة خضوعا كاملا كما يخضع شؤون أسرته لشؤون الأسرة الكبرى، أسرة الشعب’
التكيف
لن يسلم شخص من الدهشة حيال اللغة البسيطة التي كان مانديلا يسرد بها الظروف الصعبة التي صاحبت مسيرته النضالية، والإحباطات التي سعت سلطات البلاد لإكالتها عليه بغية تقليم روحه النضالية، سواء داخل السجن أو خارجه، بدا الأمر غريبا نوعا ما وهو يتحدث عن البطانيات المملوءة بالقمل والتي كانت لحافه في السجن، والوجبات الهزيلة التي لم تكن ترقى لكائن بشري، بالإضافة إلى غياب شروط النظافة، والأعمال الشاقة المنهكة، والإهانات المتكررة التي كان يتلقاها من آمري السجن، وعقوبة السجن الإنفرادي الذي كان يمتد لأيام عديدة.. كان ذلك إنحدارا في المستوى المعيشي مقارنة بالحياة المستقرة نسبيا والتي عاشها كمحام في جوهانسبورغ، حيث كان يرتدي البذلات المزدوجة ويسوق سيارته كل صباح إلى مكتبه، وكانت تلك المعيشة رفاهية بالنسبة لرجل أسود عاش في فترة بلغ فيها التمييز ذروته.
لن يسلم شخص من الدهشة حيال اللغة البسيطة التي كان مانديلا يسرد بها الظروف الصعبة التي صاحبت مسيرته النضالية، والإحباطات التي سعت سلطات البلاد لإكالتها عليه بغية تقليم روحه النضالية، سواء داخل السجن أو خارجه، بدا الأمر غريبا نوعا ما وهو يتحدث عن البطانيات المملوءة بالقمل والتي كانت لحافه في السجن، والوجبات الهزيلة التي لم تكن ترقى لكائن بشري، بالإضافة إلى غياب شروط النظافة، والأعمال الشاقة المنهكة، والإهانات المتكررة التي كان يتلقاها من آمري السجن، وعقوبة السجن الإنفرادي الذي كان يمتد لأيام عديدة.. كان ذلك إنحدارا في المستوى المعيشي مقارنة بالحياة المستقرة نسبيا والتي عاشها كمحام في جوهانسبورغ، حيث كان يرتدي البذلات المزدوجة ويسوق سيارته كل صباح إلى مكتبه، وكانت تلك المعيشة رفاهية بالنسبة لرجل أسود عاش في فترة بلغ فيها التمييز ذروته.
الشاهد في القول هو أن الإنسان عموما يمتلك قدرة على التكيف مع ظروف أقل بكثير من تلك المعتاد عليها، لكن هذا التكيف يستلزم شرطا ذكره مانديلا في كتابه: ” الجسم البشري له قدرة خارقة على التكيف مع الظروف الشاقة، وجدت أن المرء بإمكانه تحمل ما لا يحتمل طالما ظلت معنوياته عالية وعزيمته صلبة، حتى عندما يبدأ جسمه في الإستسلام للضعف. والسر في مواجهة الحرمان هو الإيمان القوي الذي يملأ الفؤاد حتى وإن كانت المعدة خاوية “.
الثورة:
المسار النضالي البطولي الذي حرر الأرض الجنوب إفريقية من القيد الذي رزخت تحته لعقود طويلة قاده الشعب الجنوب إفريقي ككل وليس مانديلا لوحده، صحيح أن نجم مانديلا لمع في تاريخ جنوب إفريقيا كقائد حمل مشعل الثورة على الأوضاع البائسة، لكن ثورته تلك لم تكن لتنجح لو لم يحتضنها الشعب، وتؤمن بها آلاف القلوب التي اكتوت من نار التمييز، والتي كانت زادا لمانديلا ورفاقه في حزب المؤتمر الإفريقي لقلب الطاولة على الحزب الوطني وترجيح الكفة للأكثرية السوداء، لهذا كان مانديلا من بين كل رفاقه أكثرهم ميلا لتكييف قرارات الحزب مع ميول الشعب وتوجهاته، باعتبار أي قرار يؤخذ بمعزل عن هذا الأخير ما هو إلا طريق مسدود أو انتكاسة محتمة، فقد كان لا يرى في الحزب إلا صورة للشعب وصدى له.
المسار النضالي البطولي الذي حرر الأرض الجنوب إفريقية من القيد الذي رزخت تحته لعقود طويلة قاده الشعب الجنوب إفريقي ككل وليس مانديلا لوحده، صحيح أن نجم مانديلا لمع في تاريخ جنوب إفريقيا كقائد حمل مشعل الثورة على الأوضاع البائسة، لكن ثورته تلك لم تكن لتنجح لو لم يحتضنها الشعب، وتؤمن بها آلاف القلوب التي اكتوت من نار التمييز، والتي كانت زادا لمانديلا ورفاقه في حزب المؤتمر الإفريقي لقلب الطاولة على الحزب الوطني وترجيح الكفة للأكثرية السوداء، لهذا كان مانديلا من بين كل رفاقه أكثرهم ميلا لتكييف قرارات الحزب مع ميول الشعب وتوجهاته، باعتبار أي قرار يؤخذ بمعزل عن هذا الأخير ما هو إلا طريق مسدود أو انتكاسة محتمة، فقد كان لا يرى في الحزب إلا صورة للشعب وصدى له.
الآلاف الذين ماتوا، والآخرين الذين اعتصموا والذين استجابوا لدعوات الإضراب والتظاهر، والذين قادوا المسيرات، ووزعوا المنشورات، وعملوا على توعية الناس بحقوقهم، وبتطلعات الحزب، ومستقبل الوطن، هؤلاء هم وقود للحرب الكبيرة التي لم تضع أوزارها إلا على نصر، ولم يلعب مانديلا في موقعه ذاك إلا دور الموجه بخططه المحنكة، وأساليبه المتمرسة، وقرارته الشجاعة.
في الختام..
في الختام..
الكتاب عبارة عن رحلة شيقة لا تتمحور فقط حول شخص مانديلا، لكنها تضيء – من زاويته – رحلة النضال العريقة لشعب جنوب إفريقيا ضد نظام التمييز العنصري، ويصور بجلاء عملية استخلاص العدالة من لب الظلم والعنصرية، عملية طويلة ومكلفة لكنها كللت بالنصر والنجاح بفضل إرادة شعبها وحنكة زعيمها نلسون مانديلا.

تعليقات
إرسال تعليق